الموضوع: نظام الولايات (11) / مراتب المسؤولية ومراتب الإرادة/
مر بنا ان عمد الصبي خطأ هو جعل مستقل في نفسه ورتب عليه جعل اخر وهو تحمله العاقلة فهذا البيان من الشارع مهيمن على كل الابواب الفقهية ان ارادة الصبي قبل البلوغ ولو بدقائق ولو بايام لا يعتبرها الشارع محكمة وانما ضعيفة وفيها قصور ، طبعا هذا القصور في ارادة الصبي درجات ، من ثم الصبي غير المميز اذا حسن التلفظ كما في احرام الحج والتلبية فيلقنه وليه انه كيف يتكلم وان كانت النية ينويها هو والاحوط ان يجمع ما بين تلبيته وتلبية الولي .
اذن ارادة الصبي وتكلمه هي خاضعة للارادة وهي فعل من الافعال التي هي خاضعة للارادة فارادته على مراتب بحسب الادلة ربما هناك خمسة اقسام للصبي لذلك بعض الاثار الخفيفة تترتب عليه لكن العمدة في الدليل الجامع المهيمن على الادلة هو هذا ان عمد الصبي خطأ يعني القصور هو في الارادة وليس القصور في ملاك ذات الافعال فذات الفعل في نفسه ليس مرتبطا بارادة الفاعل او فاعلية الفاعل وانما الفعل في نفسه هكذا سواء في باب العبادات او في ابواب اخرى .
مثلا لاحظ الصبي المميز اذا حاز شيئا من المباحات هل يقال انه لا يملك ولا يسوغ لاخر ان يغتصب هذا المال؟ لا سيما اذا كان باذن الاب او الولي لا سيما اذا كان فوق عشر سنين او مراهق وقريب للبلوغ ؟ فارادة الصبي خطأ لكن هذا الخطأ على درجات بحسب بيانات الشارع من ثم تأتي نوبة البحث عن اسلام الصبي المميز وانا شاهدت بعض الصبيان ربما بعده ليس بمميز لكن العقل النظري لديه قوي والتمييز جعل في الروايات والفتاوى بلحاظ العقل العملي وهو الحسن والقبح فيستقبح ابداء العورة والعقل ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان ناظر الى العقل العملي اما العقل النظري الذي هو الادراك بدون العقل العملي تكون نكراء في الشرور كما ورد التعبير في الرواية.
فربما يشاهد في بعض الصبيان ان عقلهم النظري قوي فبالتالي يدرك برهانا وجوديا مثلا تجده في العلوم الرياضية قوي فبالتالي يدرك وجود الله وقد تجده يفحم شخصا كبيرا في النقاش فاذن كيف لا يعتبر هذا اسلام او ايمان؟ والحال انه ادرك وصدق وسلم واستجاب وسيما هذا الاسلام ليس تعبديا حيث الايمان يمكن ان تقرر ظاهرة تكوينية وان كشف عنها الشارع او حددها لنا توقيفيا تعبديا ولكن ليست تعبد وتوقيف محضة هي الماهية تكوينية نعم حددها الشارع .
فاذن اسلام الصبي ممكن وايمانه ممكن ويرتب عليه الاثار وتنقطع علقة الحاقه بابويه لو كانا كافرين او غير مؤمنين وهو يصير مؤمن وايضا الكفر هو كذلك وان كان الكفر لا يرتب عليه اثار فاستشكلوا في ترتيب اثار الكفر عليه لو كان هو ابن مسلم او ابن مؤمن فالحد لم يرتبوا عليه الاثار فقاعدة الالحاق في الدين هنا لم يرفعوا اليد عنها يعني كأنما تكتب له الحسنات وهو الاسلام ولا تكتب عليه السيئات وهو الكفر يعني لا تكتب المؤاخذة اما هل نفس الكفر تحقق ام لا؟ او ربما تقول يتحقق بصورة ضامرة ناقصة لان ارادته قاصرة .
شبيه ذلك ما بنى عليه السيد الخوئي ان من يسب الله ورسوله والسب هي من العادات الهالكة المنتشرة فحكمه في الحدود هو على حاله ، فحكمه في الحدود هو على حاله اي القتل لكن هل هو كافر؟ السيد الكلبيكاني ذهب الى الكفر الا ان يتوب والسيد الخوئي قال ليس بكفر وان كان حده القتل ولكنه ليس بكفر لان هذا ليس لديه ارادة جدية يعني اما هو هزلي ولو هو كان زندقة او هو عصبي غضبان والا ليس لديه ارادة ان ينشئ خروجه عن هذا الدين .
ففرق بين اقامة الحد عليه وبين كونه كافرا فالمقصود هذا المطلب ان التلفظ اذا كانت الارادة فيها قصور لا يترتب عليه اثار الكفر لانه لا يكون انشاء للخروج عن الدين بارادة جدية عمدية فاذا كانت ارادة الصبي قاصرة فارتداده الاسلام لا يرتب عليه الاثر لان ارادته قاصرة فلا يتكون لديه الموضوع التام والتمام .
ففرقوا بين الاسلام والكفر وهذه التفرقة لها نكتة صناعية كما مر بنا الان ، هذا كله بالنسبة لبحث الاسلام والايمان ومر بنا من مجموع الادلة الواردة في ارادة الصبي واقسام الصبي في الابواب الفقهية ان الصبي عمده خطأ لانه عنده قصور في الارادة ولكن الارادة الخطأية في جملة من الابواب لها اثار ، افترض في باب حيازة المباحات هو وضع يده على شيء وهو يريد شيئا اخر فوضع يده خطأ فالارادة موجودة لانه وضع يده فلا يمكن ان تقول هذا لا يملك كما هو الحال في البالغ العاقل الراشد فحاز شيئا من المباحات ولكن قصد شيئا اخر ولكن بالتالي يوضع يده ، هنا الارادة خاطئة هي ايضا مملكة في الحيازات او في احياء الموات او في السبق وهذه نكتة مهمة ذكرها الفقهاء ان الصبي اذا قيل ان ارادته خطائية هذا لا يعني انه لا تترتب عليه اي اثر ، فبعض الابواب عموم الدليل يرتب الاثر على الاعم من الارادة العمدية والخطأية مثل اصل الدية حيث لا ربط لها بالارادة العمدية فحتى الارادة الخطأية توجب الدية .
فاذن في بحث سلب عبارة الصبي ليس هو سلب مطلق وانما بلحاظ اقسام وانواع الصبي وانواع الابواب الفقهية فالقضية ليست مسطرة على ميزان واحد ووتيرة فهذه البحوث التي اثيرت في الصبي هي خطوط عامة اما بحسب الابواب فيجب التدقيق في الادلة الخاصة والقيود والنكات فهذا بحث الصبي نموذج للقصور في الولاية ولكن يشمل المفلس والسفيه فالولاية مراتب وليست مرتبة واحدة .
فالمحصل مما مر ان حديث الرفع ليس مخصصا لعموم العبادات ولا لعموم ادلة التكاليف غير العبادية ولا لعموم المعاملات انما هذه الادلة مجموعها سواء حديث الرفع او غيره غاية ما تدل على عدم مؤاخذة الصبي ونفس رفع الامتنان يدل على الاقتضاء فيرفعه الشارع فترفع المؤاخذة وزيادة على ذلك تبين ان الارادة للصبي ليست كاملة / فمرحلة الفعلية التامة للتكاليف والاحكام تتقوم بالارادة العمدية الكاملة فمن ثم يكون في افعال الصبي في العبادات او في غير العبادات او في المعاملات قصور ومن ثم ذهب المشهور الى عدم اجزاء عبادات الصبي عن الكبار الا ما استثني كالاذان مثلا اذا كان مميزا او كما في بعض الروايات اذا كان عمره عشر سنين سواء اذان الاعلام او صلاة الجماعة اما الاقامة لا تجزي.
فالادلة تبين مراتب من قصور الطفل بحسب انواعه واقسامه ودرجاته والشيخ الانصاري ذكر في بيان ظاهرة السيرة العقلائية ان الرشد مراتب وهذا بحسب العقل التجريبي للانسان وحتى معاملة البالغين الذين ليس لديهم عقل تجريبي فتكون معاملاتهم مشكلة لانها ليست عن رشد فضلا عن المناصب في النظام العام فهي اشد واشد لذلك مر بنا ان بحث الولاية والحجر في الصبي يفتح بابا يقود الى بحث الفقه السياسي فيجب ان تلاحظ الادلة الخاصة في كل باب فالاثار قد تترتب على الاعم من الارادة الخطأية والعمدية .
لاحظ حتى في بعض الابواب الارادة العمدية لا تكفي وانما الارادة العمدية المشتدة عمدا مع صدق الاصرار والترصد يعني نوع من التروي اكثر فبعض الاثار في بعض الابواب لا تترتب لمجرد العمد وانما العمد المتعمد السيد اليزدي يقول من يلتزم بمقالات باطلة اذا هو عملا يلتزم باحكام الاسلام والايمان ويمارسها فلا يحكم عليه بالردة عن الاسلام او الايمان وانما هذا كلامه ضلال والضلال اعم من الردة وذكره في باب الطهارة في الفرق .
فالمسؤولية تجاه الارادة مراتب لان الارادة مراتب فتختلف المسؤولية وليست واحدة فلاحظ هنا الكفر لا يرتب حسب مبنى السيد اليزدي وكثير من محشي العروة فتختلف الدرجة لاحظ مثلا الاقرار بالشيء اقرار بلوازنه لكن في باب الكفر لم يلتزموا بان الاقرار بشيء لازمه الكفر لنفس النكتة لان الكفر ليس فقط يحتاج الى ارادة عمدية وانما يحتاج الى عمد متعمد اكثر ، واما بارادة جدية ضعيفة وبوسائط حاجبة هذا لا يعتبروه ردة وهذه نقطة جدا نفيسة في باب الارتداد لان طبيعة الدين والخروج من الدين ليس بالامر السهل الهين وانما امر شديد فيتطلب منا الالتزام الشديد .
اذن يصح ان نخرج بقاعدة مهمة في الابواب الفقهية انه بحسب عظمة الحكم والملاك تكون الارادة وتتطلب ارادة اشد واقوى وكلما تشتد المسؤولية تتطلب ارادة بما يناسبها شبيه ما مر في المعاطاة ان العقلاء في الاموال الخطيرة جدا لا يكتفون بالانشاء بتوسط فعل وعمل بل يتقيدون بانشاء اللفظ بل الازيد بالكتابة والشهود لانه اذا كان العقد فيه خطورة يتشددون في الية انشاء العقد يعني يريدون من المتعاقدين ارادة واعية بدرجة كبيرة نعم في الامور فوق المتوسطة يطلبون انشاء عقد لفظي وفي الامور اليسيرة يكتفون بالمعاطات بالفعل انها بحسب درجة المسؤولية ودرجة الارادة ودرجة الحكومة وملاك الحكم .
لا تقل ما لنا والعقلاء وانما علينا بالشرع نقول الشرع في باب المعاملات لم يستحدث نظاما جديدا الا بخصوص ما تعبد من نهي او امر والا اوكل باب المعاملات في نافذة من التشريع للعقلاء ومر بنا انه لو كانت سيرة العقلاء في زمن المتقدمين من الفقهاء او الطبقات السابقة منهم بنمط الان حصريا الهيكل المعاملي للعقلاء تبدل فما ذكره القدماء لازمانهم صحيحة اما الان فشيء اخر فالان العقلاء لاجل مصالح معينة لا يرون ان القبض للعقارات تكون بالمفتاح واليد وانما بالتسجيل العقاري نعم القدماء قالوا جلوسك في البيت هذا قبض او اخذك المفتاح هذا قبض هذا كان في زمانهم كآلية عقلائية الان تبدلت لان بنية البناء الموضوعي للمعاملات موجودة لدى العقلاء والشارع شذب وهذب وفصل لا انه استحدث من رأس بنيان المعاملات وانما اعطى مساحة للتقنين والتشريع العقلائي وهذا يتبدل ويتغير بحسب الازمان .
مثلا الاب بنى بيتا من قطعة ارض مسجلة باسم الاب الى ابناء واعطى كل شخص منهم حصة لكن لم يسجل الارض باسمائهم هذا لا يكفي فحيث فهو لم يرفع يده ولا اقبضهم ولو سكنوا في تلك البيوت فالنتيجة انه بعد ما يموت هذا يكون تركة وليس ملك الابناء والتصرف ليس قبضا القبض شرط في الهدية والتصرف لا يكفي في الهدية لا بد في الهدية ان يقبض المهدى يعني يسيطر لا فقط يتصرف ولكن المفتاح بمجرده لا يكفي لعله حتى المستأجر عنده مفتاح ويسكن ولكن هذا لا يدل على ان يده يد على رقبة العين وانما يد على منفعة العين اما الذي يكون له يد على رقبة العين هو من يسجل باسمه وهذه نكتة مهمة عقلائيا فتبدل هذا النظام العقلائي المعاملي متصور الى ما شاء الله نحن لا زلنا في بحث مراتب الارادة والمسؤولية وهو بحث حساس ومهم.