الموضوع: نظام الولايات 46 / فساد عقد المكره وحديث الرفع

 

مر بنا ان الخلل في عقد او ايقاع او انشائيات المكره تارة لفقد الشروط كطيب النفس او الرضا وتارة لكون الاكراه نفسه مانعا وبحسب الادلة ثبوت واثباتا لا مانع من ان يكون الخلل في عقد المكره من زاويتين او من ثلاث ولا حاجة لان تحمل بعض الادلة او بعض التقنينات على بعض اما دعوى السيد اليزدي والمرحوم الاصفهاني وغيرهما من الاعلام ان طيب النفس والرضا العقلي في المكره موجود كما هو موجود في المضطر فالجواب عنه ما مر ان ظاهر قوله تعالى الا ان تكون تجارة عن تراض منكم انه في مقام اجبار الغير وضغطه اما لاجل ضغط المعيشة فلا يقاس به .

فوصل بنا الكلام الى حديث الرفع انه اذا كان لرفع المؤاخذة والعقوبة فكيف استدل به الشارع لرفع الاحكام الوضعية كرفع صحة الطلاق والعتق؟ مع ان هناك روايات كثيرة في ابواب متعددة، اذن حديث الرفع مفاده ليس هو ما قرر عند المتاخرين من انه رفع للتنجيز ورفع للعقوبة والمؤاخذة كلا هذا غير صحيح غاية الامر الشيخ الانصاري هكذا يقرب الدلالة انه رفع للاحكام الوضعية في خصوص ما طبقه الشارع لا ان حديث الرفع بنحو العموم يرفع الاحكام الوضعية يعني مثلا هو تعبد انه في موارد الاكراه الشارع جعل حديث الرفع رافعا للحكم التكليفي والوضعي والمؤاخذة يعني بعبارة اخرى حديث الرفع[1] في قوله رفع عن امتي ست او تسع اولا هن قواعد فقهية شرعية والشارع انشأ هذه القواعد بالسنة متعددة وللاسف حتى كبار الفحول يغفلون عن ان القاعدة الواحدة يمكن ان يكون لها السن متعددة فكثير من الاعلام مع احترامنا لهم يظن ان رفع ما اضطروا اليه مع لا ضرر هي قاعدتان والحال ان الصحيح انهما قاعدة واحدة ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾[2] ورفع عن امتي ما لا يطيقون هما قاعدة واحدة وليستا قاعدتين او بعثت بالشريعة السمحة السهلة البيضاء فهذه القواعد الستة لها السن وقوالب مختلفة ولكنها قاعدة واحدة .

حتى لا ضرر هل هي ترفع المؤاخذة او ترفع الحكم الوضعي او ترفع الحكم التكليفي? كل شيء اضطر اليه ابن ادم فقد احله الله ، لاحظ كلمة احله الله نفس لا ضرر جملة من الفقهاء يعتبروه قواعد ثلاث كلا هي قاعدة واحدة بالسن ثلاث المرحوم الاصفهاني يقول لا يمكن ان يلتزم في حديث الرفع انه فقط رفع المؤاخذة كل شيء اضطر اليه ابن ادم فقد احله الله له يعني ترخيص فما يمكن نقول فقط رفع المؤاخذة وانما رفع الحكم التكليفي والوضعي مثلا احل الله البيع هو ليس تكليفيا فقط ولا وضعيا فقط وانما الجمع بين التكليف والوضعي فكل شيء اضطر اليه ابن ادم فقد احله الله له الشارع جعله في الحلية الوضعية والتكليفية فالمرحوم الاصفهاني يقول حديث الرفع يرفع الحكم التكليفي والوضعي وايضا المؤاخذة وليس فقط الحكم الوضعي او فقط الحكم التكليفي او فقط المؤاخذة وانما الكل في الكل .

فالمرفوع في حديث الرفع هل هو قلم التشريع التكليفي والوضعي او فقط قلم المؤاخذة? لانه عندنا في الادلة الصبي لا يكتب عليه السيئة ولكن تكتب له الحسنة فهذا قلم مؤاخذة وليس قلم التشريع فالعقاب مرفوع عنه اما الثواب فيكتب له فبالتالي هذا ليس قلم التشريع وانما قلم المؤاخذة ربما ينسب الى المشهور في الصبي انه قلم التشريع وليس قلم المؤاخذة اما النائم المقرون بالصبي فيقينا مرفوع عنه القلم والمرفوع عنه هو قلم المؤاخذة لانه ما دام نائما وذهبت عنه الصلاة يقضيها فليس قلم التشريع في النائم لانه قرن الثلاثة مع بعض الصبي والنائم والمجنون فرفع القلم عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق فهم هكذا قالوا هل نحمل الصبي على المجنون? او نحمله على النائم? فالنائم مؤاخذ اما المجنون فتشريع ، اذن فالقلم المرفوع ربما يكون قلم مؤاخذة وربما يكون تشريع والاول هو تكويني والثاني اعتباري وانا عندي القلم كله مؤاخذة سواء في النائم في الصبي في المجنون فترفع المؤاخذة وليس يرفع التشريع .

نعم فالاكثر شهرة ان حديث رفع القلم كما ورد مستفيضا او متواترا لا تكتب عليه السيئات فهو قلم المؤاخذة وليس قلم التشريع فالمؤاخذة والسيئات رفعت عن الصبي لا انه رفع عنه التشريع فما يرتكبه حرام ولكن لا يكتب الله عليه المؤاخذة فهذه النصوص تصرح ان الذي لا يكتب على الصبي ليس التشريع وانما المؤاخذة والسيئة بخلاف الحسنة فتكتب له فالمرفوع في حديث الثلاثة نائم صبي مجنون او في الستة او في التسعة فالمرفوع عندنا المؤاخذة فعلى القاعدة عمومات الادلة شاملة للصبي وللرضيع فيصح الحج بالاخير فانت تنوي وتلبي وتحرم عنه بل حتى المجنون المطبق يردع عن الزنا حتى لو كان كالحيوان لكن يجب ان يوقف امامه فيربط ويحبس لان الفعل فيه مفسدة .

فالتشريع لم يرفع لا في المجنون ولا في الصبي ولا في النائم انما المرفوع هو المؤاخذة ونحن نتكلم على المبنى المشهور او احد الاقوال الثلاثة المشهورة فاذا كان رفع المؤاخذة كيف الشارع في حديث الرفع الستة او التسعة رفع به صحة طلاق المكره وصحة عتقه وصحة بيعه ؟

فالشيخ يقول هنا يجب ان نلتزم ونرفع اليد في خصوص المكره بان المرفوع ليست المؤاخذة فقط بل حتى الحكم الوضعي ، طبعا كما ذكر الشيخ الانصاري وسائر الاعلام في الاكراه على الحرام متى يرفع الاكراه عن الحرمة التكليفية? اقول عندنا اكراه بتهديد ووعيد وعندنا اكراه باحراج مثلا اذا لم يصافح الاجنبية فهذا عيب ويستهزئون به نحن نقول الحرج الاجتماعي لا يرفع الحرمة التكليفية فالاكراه على المحرمات اذا لم يكن بوعيد وتهديد لا ترفع الحكم التكليفي اما في الحكم الوضعي فادنى اكراه يرفع ولو من باب الحرج والضغط الاجتماعي والحياء ، فالمأخوذ حياء غصبا .

اذن هناك فرق في الاكراه في الامور الوضعية فيكفي فيها ادنى اكراه وتأزيم نفسي كذا او اكراه بوعيد وحتى الاكراه بوعيد لا يرفع الحرمة التكليفية الا اذا كان التهديد المتوعد به اشد من مفسدة الحرام اما مثلا اذا قال له اذا لم تقدم على ارتكاب الفاحشة ساخذ منك مئة دولار هنا فليأخذ فالمئة دولار فلا تقاس مع الفاحشة حتى لو من باب الضرر ومن باب الاكراه فهذا لا يكفي لان القواعد الست في الرفع رافعة للاحكام الثانوية او الاولية ليس بنحو الاطلاق وانما بالدقة كما عليه القدماء هي العناوين الثانوية وهي تزاحم فلابد ان تناسب بين الضرر او الاكراه والوعيد والشيء المحرم نعم عند الوعيد يمكن الكذب اذا كان متعلق الكذب بتهديد ووعيد واضرار لان حرمة الكذب ليست على درجة واحدة وانما درجات فبعض الكذب يسبب فتنة ودماء فهذه حرمته شديدة والفتنة اشد من القتل اما الكذب اليسير مثلا بتعبير الاعلام حتى لو كان هناك ظالم يمنعك من دخول الحي فتقول له انا اذهب الى ذلك الحي وليس هذا مع انك كاذب فلا مانع فيه لان الامر يسير بل ربما التزموا ان الاكراه حتى لو لم يكن فيه وعيد فيجوز يعني بعض الحرمات اليسيرة يرفع الاكراه غير الضرري هذا استفادوه من ادلة حرمة الكذب ان الكذب اليسير يرتفع بادنى مسوغ فانت مثلا ليس عندك حاجة ضرورية وتريد تذهب الى طرف معين يمنعك يجوز لك الكذب .

كلامنا الان في المحمول فهل التورية كذب او ليست بكذب? هذا بحث معقد جدا يعني الكراهة موضوعا ومحمولا محل ابتلاء في العقود والايقاعات والانشائيات عموما وحتى في التكليفيات فهذي نكتة مهمة ان الاكراه في الاحكام التكليفية يختلف عن الاكراه الرافع في الاحكام الوضعية ففي الاخير اسهل بينما في التكليفي اصعب فالشيخ الانصاري ذهب الى ان حديث الرفع هو رفع المؤاخذة في القواعد الست ولكن في الاكراه بدليل من الشارع نعتبره رفع الحكم الوضعي والتكليفي .

ايضا الشيخ له كلام في كتاب الرسائل قال حديث الرفع للمؤاخذة ولكن لقاعدة الحرج خصوصا نجد الشارع طبق رفع الحرج لرفع الحكم الوضعية بل يلتزم الشيخ الانصاري في الرسائل في الحرج انه ليس فقط رافع للمؤاخذة وانما رافع للتكليف ورافع للوضع بل كأنما مثبت لوضع اخر كما في رواية عبدالاعلى ال سام قال امسح على المرارة موضع الابهام قال يعرف هذا واشباهه من كتاب الله ما جعل عليكم في الدين من حرج فالشيخ في خصوص قاعدة الحرج يلتزم انها ليست فقط رافعة للمؤاخذة بل رافعة للوضع ورافعة للتكليف بل هي مثبتة للحكم الوضعي وهو شرطية المسح على المرارة وهذا امر رابع .

طبعا هو عنده استثناءات في بنية الظهور ومفاد حديث الرفع نعم النائيني والسيد الخوئي وجل تلاميذهما اراحوا انفسهم من الاول حيث عندهم حديث الرفع بلسان الست او التسع هو رفع للحكم التكليفي والوضعي غاية الامر في ما لا يعلمون رفع ظاهري وفي الخمسة رفع واقعي ولكن نحن الذي نبني عليه تبعا لاشهر الاقوال عند القدماء ان حديث الرفع فقط رفع المؤاخذة سواء في الست او في التسعة او في الثلاث وليس رفع الحكم التكييفي ولا رفع الحكم الوضعي .

فنقول اذا كان هكذا فكيف الشارع في الموارد التي اشار اليها الشيخ الانصاري يطبقه ؟

نقول الجواب في هذه الموارد انه صحيح نلتزم بها بل نعممها ولكن اين ضابطتها? يبقى الرفع رفع المؤاخذة وليس غير المؤاخذة ولكن اين الضابطة فيها? هنا بيت القصيد وهذا ليس ابتكارا منا وانما هذا ذكره بعض الاعلام الفحول ونكتته ان في بعض الموارد اذا رفعت المؤاخذة والتنجيز او قل الالزام العقلي والشرعي فالالزام الشرعي له عدة اصطلاحات ومراتب وهذه نكتة مهمة سواء الزام تكليفي او وضعي مثلا في النائم او المجنون فاذا اراد الاخير ان يفجر يجب على الاخرين ان يمنعوه او مثلا اذا اراد ان يقتل فاصل تشريع الحرمة موجودة والمبغوضية موجودة فيؤدب المجنون والصبي لان الملاك موجود غاية الامر اصل الفعلية الناقصة للحكم للحكم موجودة اما الفعلية التامة فضلا عن الفاعلية فالتنجيز غير موجود .

فهذه مرتبة من الالزام والملاك جزئي .

مرتبة اخرى مثلا النائم اذا نام عن الصلاة يقضيه اما الصبي والمجنون لا يقضيان اذن النائم ارتفعت عنه الفعلية والالزام فالفعلية الناقصة والتامة موجودة في النائم نعم الفاعلية غير موجودة والتنجيز غير موجود والمؤاخذة غير موجودة وهي مرتبة اخرى .

هناك مرتبة اخرى بتعبير الاخوند يوجب ضررا معينا يمكن ان يتحمله الانسان ولكن الشرع يقول له لا يجب عليك ان تتحمله ولكن اذا تتحمله لا بأس فهذا فقط المؤاخذة والالزام والتنجيز لا الفاعلية ولا الفعلية فاذن الالزام البتي من الشارع درجات ومراتب وليست مرتبة واحدة .

اما ربط هذه المقدمة بالبحث هو ان الالزام التكليفي اذا رفعت منه درجة قد يلازم رفع الحكم الوضعي لان هذا الحكم الوضعي غير قابل ان ينفك عن الحكم الالزامي التكليفي مثل لزوم العقد هو شيء وضعي اما اذا الالزام التكليفي يرتفع فكيف نقول الحكم الوضعي باقي? انه لا يمكن بعبارة اخرى الاعلام استفادوا اللزوم الوضعي للعقود من قوله تعالى اوفوا بالعقود فاذا في مورد الشارع لا يلزمني بالوفاء بالعقود كيف يكون العقد لازما وضعا? فاللزوم الوضعي استفيد من اللزوم التكليفي واذا انتفى اللزوم التكليفي ينتفي اللزوم الوضعي واذا انتفى اللزوم الوضعي فبالتالي هذا العقد ليس بلازم .

فبعض العقود صحتها ولزومها الوضعي والتكليفي لا تنفك عن بعضها البعض كالنكاح فهو لازم وهو صحيح وضعي ولازم وضعي ولازم تكليفي نعم استثناء في بعض الموارد بحث اخر ففي بعض الموارد حتى الصحة الوضعية لا تنفك عن اللزوم التكليفي وقد استفاد الاعلام هذا المطلب بان الاصل في معاملة الصحة من قوله تعالى اوفوا بالعقود مع انها امر باللزوم التكليفي ثم استفادوا الوضعي ثم استفادوا الصحة بعبارة اخرى اوفوا بالعقود المفاد المطابقي له هو اللزوم التكليفي لكن الاخير هو معلول وليس علة ومسبب وليس سببا حيث هو مسبب من سبب قبله وهو اللزوم الوضعي والاخير مسبب ومعلول عن الصحة فعندنا صحة لزوم وضعي ثم لزوم تكليفي .

هذا البيان لاية اوفوا بالعقود وهي قاعدة عامة كبيرة جدا في كل العقود والاعلام متسالمين فيها فالمفاد الاول لها لزوم تكليفي وهو معلول عن اللزوم الوضعي وهلم جرا غدا نقف عند هذه القاعدة اكثر لانها نكتة مهمة .

 


[1] وسائل الشيعة، الشيخ الحر العاملي، ج8، ص249، أبواب الخلل الواقع فی الصلاه، باب30، ح2، ط آل البيت.
[2] سوره حج، آيه 78.
سال درس: 1404-1405
عنوان درس فایل صوتی فایل متنی
نظام الولایات