الموضوع: العقد الفضولي /الرضا نفساني او انشائي /القاعدة في ظهور العناوين

 

الرضا النفساني يغني عن الرضا الإنشائي في العقد مر بنا أن الشيخ الأنصاري (رحمه الله) ذهب إلى أن الرضا النفساني – وهو وجود تكويني طبعاً – يغني عن الرضا الإنشائي. فمع قيام “الفضولي” أو غير الفضولي من الصور العديدة في العقود التي تلحق بالفضولي – مما لم تستتم فيه الولاية للعاقد، إما لعدم الولاية له أو لأن ولايته ناقصة – فمع وجود الرضا النفسي التكويني لصاحب الولاية التامة في العقد، يكفي ذلك في صحة العقد عند الشيخ الأنصاري.

الفرق بين الدليل والمؤيد في الاستنباط استشهد الشيخ الأنصاري بجملة من الأدلة والمؤيدات. وهنا نسأل: ما هو مصطلح “المؤيدات” في الصناعة الفقهية والعلوم الدينية؟ “المؤيد” هو الظن الذي لم يبلغ درجة الحجية، ولكنه مطابق لظن معتبر، فلأنه يطابق الظن المعتبر يزيد من اعتباره وقوته؛ وهذا هو اصطلاح “الظن المؤيد”. واكتراث الفقهاء بالمؤيدات سببه أن ازدياد درجة الدليل اعتباراً أو قوةً شيء مطلوب وليس بمذموم. واللطيف أن السيد الخوئي (رحمه الله) مع تشدده في استقلالية الظن المعتبر في الحجية، وعدم قوله بأن الظنون مجموعية أو منظومية تراكمية – وهذا غالباً ديدنه وإن لم يبنِ عليه في كثير من الموارد – إلا أنه يرجع ويلتزم بكلام المشهور في موارد عديدة ويذكر عبارة “يؤيده”، مع أنه لا يؤمن بالتراكم نظرياً. والصحيح هو كلام المشهور. فالمؤيد اصطلاح للظن الذي لا يشهد له شيء آخر ليكون حجة بنفسه، بل يأتيه دعم من محطة أخرى فيقال “يؤيده” أو “قرينة عليه”.

أدلة كفاية الرضا النفساني عن الإنشائي وحجية الاطمئنان هذا “الظن المؤيد” له ضوابط وموازين عند الأعلام (سواء من قال بالانسداد أو الانفتاح)، فميزانه: ألا يكون من الظنون المردوعة والممنوعة شرعاً كالسحر والشعبذة والشعوذة والعرافة والتنجيم والعلوم الغريبة، فهذه لا يؤيد ولا يضعّف بها. فالتأييد يكون من منظومة الظنون في عالم النقل الحسي بين البشر. وهنا مصطلحان: “يؤيده” و “يضعّفه”. والمضعّف لا يعني أنه معارض؛ فالمضعّف ليس ظناً يعوّل عليه بنفسه، ولكنه بإمكانه تضعيف الظن المعتبر (كاسر)، بينما المعارض هو حجة في نفسه. وهذه اصطلاحات دقيقة عند المشهور يجب الالتفات إليها، حيث ينظرون للظنون نظرة منظومية تراكمية (جابرة وكاسرة). والشيخ الأنصاري هنا أتى بأدلة على كفاية الرضا التكويني، وأتى بمؤيدات. وإحدى ثمرات المؤيدات أنها إذا تراكمت قد تولد اطمئناناً، والاطمئنان حجة. والسيد الخوئي (كما سيأتي في الأصول) يعترف بأن الاطمئنان الناشئ من ظنون غير معتبرة حجة، وهذا هو الوسط الموزون العلمي بالتراكم والفحص. ومشكلة البعض هي أزمة عدم الفحص وعدم التتبع، وهذا “مرض سرطاني علمي” أن يقول الشخص “ما عندي حوصلة” ثم ينفي الاعتبار عن الروايات والمقاتل التاريخية بحجة أنها مراسيل! هذه مغالطة علمية في الدين؛ لأنك تعتمد على المراسيل إذا ولّدت الاطمئنان، فلا تكن انتقائياً وتقبل المغالطة.

اعتماد القرائن في التوثيق عند المشهور في علم الرجال نلاحظ أن كلمة “يؤيده” و “يضعّفه” تخفي خلفها منهجاً كبيراً. فالأعلام (كالسيد الخوئي وصاحب المدارك والمقدس الأردبيلي رحمهم الله) رغم تشددهم في الروايات، نجدهم في باب الشهادات والقضاء – الذي فيه تشدد أكثر في الدماء والفروج والأعراض – يعتمدون في توثيق الشهود على “اجتماع القرائن” (يصلي، يحضر الجماعة، لا يغتاب) لإثبات العدالة. والسؤال هنا: هذه القرائن في كل واحد في نفسه ليست حجة، فكيف اعتمدتموها في باب القضاء والشهادات لتوثيق الشهود، بينما في باب الروايات ترفضون القرائن وتطلبون قرينة قطعية كأنها وحي منزل؟! هو نفس الميزان، والعدالة واحدة في البابين، فكيف تعملون بتجميع الظنون هناك وترفضونها هنا؟ هذا “تدافع” وتناقض في المنهج. بخلاف مسلك المشهور (كمسلك المفيد والمرتضى ومدرسة الوحيد البهبهاني) الذي يمتاز بأنه مسلك متلائم ومنهج واحد متناسق في الفقه والرجال واللغة، ولا يوجد فيه أي تدافع أو مغالطة. أما المنهج الآخر فهو “صناعة متألقة مطوية على كمّ من المغالطات والتدافع”.

الأصل في العناوين الواردة في الأدلة الوجود التكويني نعود للشيخ الأنصاري، فدليله على كفاية الرضا التكويني هو قوله تعالى: ((لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض))، والتراضي يشمل التراضي التكويني. وهنا نؤسس قاعدة مهمة جداً في الظهور والاستنباط: “الأصل في العناوين المأخوذة في الأدلة أن تكون بوجوداتها التكوينية”. أما الوجود الاعتباري فيحتاج لدلالة ومعونة. وإذا ثبت الوجود الاعتباري فهو فرع وضميمة وليس أصلاً، ولا يكون حصرياً بحيث يشطب على الوجود التكويني ويعزله.

النسب حقيقة اعتبارية أو تكوينية من تطبيقات هذه القاعدة مبحث “النسب”؛ هل هو حقيقة شرعية اعتبارية أم تكوينية؟ هو حقيقة تكوينيه، سواء كان من حلال أو حرام (والعياذ بالله). طبعاً ليس كل وطء حرام هو زنا؛ فالزنا وطء حرام خاص مطوي فيه الخيانة، بينما قد يكون هناك “ابن حرام” (كوطء الزوجة في الحيض فيتولد ابن حيضة) ولكنه ليس “ابن زنا”. فالنسب تكويني، والشارع عندما يرتب آثاراً على النسب الطاهر (كالإرث أو إمامة الجماعة)، فهذا لا يعني أن النسب تحول لحقيقة شرعية، بل هو تخصيص لحصة من النسب التكويني (النسب الطاهر، أو الأطهر كنسب المعصوم).

النسب التكويني والحقيقة الشرعية في باب النكاح قد يخدع الباحث بكلمات الفقهاء ويظن أن النسب حقيقة شرعية، ولكن عند مراجعة باب النكاح والزواج نجد قوله تعالى: ﴿((حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم…))﴾[1] ، فالتحريم هنا يشمل الأم والبنت والأخت حتى لو كنّ من الزنا. فالنسب المراد في باب النكاح والتحريم هو مطلق النسب التكويني، وليس خصوص النسب الطاهر أو الحلال، بدليل شمول التحريم لابن الزنا وأخته وعمته من الزنا.

شدة طهارة آباء النبي (ص) والوصي شرط سؤددها على ذكر مراتب النسب، فإن سؤدد النبوة لا يعطيها الله عز وجل لمطلق الاصطفاء، بل لأطهر المصطفين (تقلبك في الساجدين). وكذلك سيادة سيد الأوصياء أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهي خصيصة له وليست لمطلق الإمامة. فهناك درجات وخصوصيات لسيد الأنبياء، وسيد الأوصياء، وسيدة النساء، وأصحاب الكساء، حتى داخل دائرة المعصومين الأربعة عشر.

الأصل في العناوين في الأدلة وجودها التكويني إذن، القاعدة الأولية – وهي مهمة في كل الأبواب – أن العناوين وجودها تكويني. وإدخال الوجود الاعتباري يحتاج لتقنين آخر ومؤونة. وإذا ثبت التقنين، فإنه لا يكون حصرياً ولا يلغي الوجود التكويني. فالأصل في الحقائق هو الحقيقة اللغوية والتكوينية، ثم تأتي نوبة الحقيقة الشرعية التي لا تقلع الحقيقة التكوينية ولا تكون بديلة عنها بالكامل.

البعد التكويني في عناوين الصلاة وبعد الحقيقة الشرعية تطبيقاً لهذه القاعدة (الفدلكة الصناعية): لو ورد عنوان في الصلاة كـ “الركوع” أو “السجود”؛ فالأصل فيه أنه تكويني لغوي. والاعتبار الشرعي بحدوده لا يعدم الحقيقة التكوينية. ولذلك التزم الفقهاء في مراتب السجود للعاجز بمراتب تكوينيه وإن لم ينص عليها الشارع بنص خاص، وذلك لإطلاق العنوان اللغوي. وكذلك السجود في “آيات العزائم” الأربع؛ الواجب هو مطلق السجود لغةً (كل ما يصدق عليه سجود)، ولا يشترط فيه الاستقبال أو الطهارة كما في الصلاة.

التشهد الثلاثي في باب الصلاة معنى لغوي وتكويني وشرعي كذلك الحال في “التشهد”. فقبل أن يؤخذ في الصلاة، له معنى لغوي وتكويني وشرعي في الأبواب الأخرى. هل استعمل الشارع التشهد في الصلاة على خلاف تلك الأبواب؟ كلا، لا يوجد دليل على حقيقة شرعية خاصة بباب الصلاة. بل أخذ الشارع هذا التشهد بمعناه العام (التكويني واللغوي والشرعي) وجعله جزءاً من الصلاة. والتشهد الموجود شرعاً في كل الأبواب هو “الشهادات الثلاث” وليس الشهادتين؛ بدليل آلاف الزيارات والأدعية وآيات الولاية المقرونة بطاعة الله والرسول ﴿((أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم))﴾[2] . فالثلاثية موجودة إلى ما شاء الله، وهذا هو الأصل.

نتمم غداً إن شاء الله.

 


[1] سوره نساء، آيه 23.
[2] سوره نساء، آيه 59.
سال درس: 1404-1405
عنوان درس فایل صوتی فایل متنی
نظام الولایات