الموضوع: نظام الولايات (59) / العناوين التابعة للإخبار والإنشاء ومراتب الكلام

 

كان الكلام في التورية وتبين ان الشواهد الثلاثة التي اعتمدها صاحب الجواهر والسيد اليزدي وجمع قبلهم وبعدهم منظور فيها لان هناك جملة من التورية ليس فيها افهام على خلاف الواقع وانما فيها ابهام وليس افهاما فابهام الواقع شيء اخر فالتورية هي حقيقة ابهام الواقع وليس افهاما على خلاف الواقع يعني التعريف الذي ذكره العلمان للتورية محل تأمل ومنظور فيه .

نحن ومن التورية انتقلنا الى اصل مبحث الصدق والكذب وكان القول الثاني في التورية الذي هو ايضا في الحقيقة يفتح باب الصدق والكذب انه لماذا لا يعتد العقلاء او حتى الشارع بالمفاد الاستعمالي؟ نقول لانه ليس المدار النهائي وليس اللفظي ولا التصوري حيث هناك مراحل اولا لفظي تصوري وضعي ثم استعمالي ثم تفهيمي ثم جدي وللاخير مراتب لانه في الحقيقة هذا حشو من الكلام وليس هو الكلام الاصلي وانما الاخير هو ان تصل الى المراد الجدي وان تصل الى جد الجد .

فلاحظ الارادة تعلقت بالتفهيم لكنها ارادة متوسطة وليست نهائية نعم الارادة الجدية هي جد في الاستعمال وليست جدا في النهاية والغاية والارادة التفهيمية جد في التفهيم وليست نهاية فالتورية ابهام وليست افهاما للواقع فهذا التعريف بين العلمين لا نسلم به مع ذلك لو افترضنا ان في افهام الخلاف الواقع مثل الدلالة الاستعمالية فحتى عندما يقال كذب صوري لكنه ليس كذبا جديا حقيقيا وانما الكذب الحقيقي لابد ان يكون مع النهاية لا ما قبل النهاية .

هذا القول الثاني ذكروه في باب القضاء او في بحث التورية المشهور ان المصلح صادق وما يقوله في التورية حلال والخائن مفسد وما يقوله في التورية كذب وحرام لاحظ هذي مراتب دلالة الكلام لاحظ الباري تعالى في سورة الانفال في واقعة بدر بين انه لم يكشف الحقيقة تماما : ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( 43 ). وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 44 )﴾[1]

طبعا هذه بالنسبة لخصوص الانبياء لها تفسير اخر فالمعجز انه قللهم في العين وليس في الخارج وهذا الفعل من الله ليس تدليسا ولا غشا ولا خداعا لا سحرا ولا شعبذة حاشا لله وانما هو يقلل الكفار في اعين المسلمين ويقلل المسلمين في اعين قريش ليقضي الله امرا كان مفعولا فمن جهة ان الله يريد يعلي ويشحذ همة المسلمين ومن جهة يريد يهون الامر للمسلمين عند قريش كي تقصر همتهم فيصعد الهمة من جهة ويقلل من جهة اخرى هذا ليس بكذب ولا سحر فالسحر تصرف في العين كما في تعبير النبي موسى ﴿سحروا اعين الناس﴾[2] يعني ينشئون صورة كاذبة واتوا بسحر عظيم فالله لم يقم بالسحر ولا بالخداع ولا بالكذب فالكذب حرام ولكن الصدق ليس بواجب فبعض موارد الصدق فيه فتنة او له مردود سلبي لان هذا الصدق ليس واسع وانما صدق ناقص له مردود سلبي وبعبارة اخرى ارادة الجانب النفسي عند المسلمين في بدر مع وجود الملائكة هو اعظم من الطرف الاخر لكن هذه القضايا لا ترى بالحس فلو ارى الله المسلمين الامور الحسية فقط فهم لم يروا الامور النفسانية ولم يروا الامور الغيبية وبالتالي تقل هممهم فما هو قوة لدى المسلمين سيتضائل الى الضعف? فالصحيح انه لا يريهم تمام الحقيقة وانما بعضها لئلا يكون خلل في تلك القوى عندهم نفسيا غيبيا ملكوتيا .

فهذا ليس تمام الصدق والحقيقة لان هذا الصدق الحسي ليس هو كل الصدق وليس كل الحقيقة ولو بينه سينطبع لدى المسلمين منه ما هو كذب وهذا خطأ ويؤدي الى الخداع يعني صدق يؤدي الى الغش والفساد بينما هو بعض الصدق وليس تمام الصدق هذا يؤدي الى ما هو غير صحيح لاحظ هذا فن الاعلام فاذن الله لم ينشئ صور في اعين المسلمين وانما حجب عنهم رؤية كل الحزب بتصرف معين لا انه خدعهم ولا تصرف في اعينهم وانما لم يسمح لهم ان يروا قريش كاملة اما بسبب الشمس او بسبب اخر كما ان قريش لا ترى المسلمين كاملة .

فلاحظ الحجب غير الخداع وغير انهم ﴿سحروا اعين الناس﴾ فليس بالسحر وليس مصلحة فيه فمما ينبئ ان التورية هي هكذا مع انك لا تكشف الواقع وتبهمه لا ان التورية هي خداع وانما هي ابهام وايهام فهناك فرق بين التورية والكذب .

نرجع الى هذا القول ان الكذب والصدق والاخبار ليس مداره على الارادة اللفظية ولا التصورية ولا استعمالية ولا حتى التفهيمية ولا حتى الجدية لذلك التورية من الصعب ان يفهمها الانسان ويتمرس عليها لانها بالتالي فن والابهام شبيه المغالطة لكن الاخيرة هي ليست خداع بحيث الطرف الاخر لا يلتفت للابهام وهو يسترسل سذاجة فيفهمه بشكل اخر فالصدق الذي يستلزم كذب هذا كذب عند الله لانه لو اراهم المشهد الحسي لن يريهم المشهد النفسي ولن يروا المشهد الغيبي الذي فيه جبرائيل والملائكة فاذن ليست كل الواقعية هي الحس .

لاحظ سورة الانفال خمسة الاف من الملائكة مردفين يعني ما يرون الواقعية كاملة فاذا انشدوا بالحس سيخدعهم ويعطيهم نتيجة كاذبة انهم ضعفاء وهم ليسوا بضعفاء لذا تجد الاعلام من اقوى اليات الحرب حيث يمكن ان يجمد شعبا ويجيش دولة وجهاز حكوميا باكمله بلعبة اعلامية وزماننا قائم على الدجل الهائل وسمي اخر الزمان بزمن الدجال الاكبر لان كله قائم على الكذب وحتى هم ما يدعون من علوم وتقنية كلها كذب في كذب وخداع وحتى الكذب في كلامهم ليس في المفاد الاستعمالي والجدي فهو صحيح لكن يستلزم هذا الصحيح والصدق الاف من الاكاذيب لسذاجة السمع والمخاطب فيلعب بنفسه فتجد الطرف المؤمن هو منتصر لكن يقول له انت هزمت وقيادتك قد ذهبت وقد بالعكس لعله كانت هي عقبة والله يريد ان يجعل لهم قيادات اقوى لكنه هو يهزم وينهار مع انه هذا كذب وهو يستهدف نفسية منهارة .

فالاعلام وسيلة امنية خطرة جدا تتلاعب في النفوس وفي الارادات واقوى الحروب هي الحرب النفسية والاعلامية فهو يفكك بين جهاز الدولة والجيش كاملة فهو قوي لكن يظن انه ضعيف فباعلان معين وبذكاء يجعل هذا الضعيف هو القوي والقوي هو الضعيف لذلك حتى لو كانت الحرب نفسية اعلامية لكن هذا صنديد لا يتراجع فاذا القيادة صارت هجينة سيبدلها الى ضعف اما القيادة الشجاعة السياسية بالعكس هي تحول الضعف الى قوة .

لذلك من الشرائط الموجودة في بيانات اهل البيت للذي ينتخبه الله انه لابد ان يكون شجاعا وكريما فالشجاعة ليست بالتسرع وليست بالحدة وانما هي بعدم الانهزام النفسي فمعنى ان امير المؤمنين طلب الشهادة واذا ما استشهد يبكي مع انه لا احد يقدر عليه فكيف يطلب الشهادة? نقول لان الشهادة التي نحن نفهمها غير التي يطلبها ويفهمها امير المؤمنين فالشهادة التي يطلبها امير المؤمنين يعني انا لا اهجن وليست نفسي تكترث بشيء لا انك تعطي نفسك للعدو فهذه سذاجة فالشهادة ان لا تجعل فرصة للعدو وما تتزلزل فالشهادة توطين النفس الفدائية على البذل لا ان اجعل نفسي تحت يد العدو او امكن العدو من نفسي فهذه من احرم المحرمات فالشهادة والشجاعة مرتبطان مع بعضهما البعض .

فالمقصود ان باب الاعلام خطير جدا من ثم الانسان لما يتناقل شيئا يثبط الهمم ويزعزع الشجاعة هذا من اكبر المحرمات فهذا يعين العدو من حيث لا يشعر ويبث النفس الهجينة حتى لو كان واقعيا فحرام نشره لانك تبدل القوة الى الضعف فانك لابد ان تبدل الضعف الى القوة لا العكس ﴿واعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾[3] وليس من ضعف وانهزام وهجينة في الارادة فالله يأمرنا ان تعدوا ﴿لهم ما استطعتم من قوة﴾ فكيف انت تبث عوامل واسباب الانهزام? فتكون بوقا للعدو فان هذا من اكبر المحرمات ﴿اذ تلقونه بالسنتكم وتقولون بافواهكم﴾[4] وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم فكيف انت تكون الة حرب للعدو? فاللسان والبيان والاعلام من اخطر اليات الحرب بيننا وبين عدونا ونحاسب عليه حسابا شديدا فكيف تنشر ما بين المؤمنين امام المخالفين والاعداء? هذه سذاجة ونحاسب عليها .

لاحظ كيف هذا المبحث ينفتح على ابواب عديدة حتى على باب الجهاد يعني مراتب الكلام وما ادراك ما الكلام في المعاملات والايقاعات والقضاء والشهادات والفقه السياسي فالاعلام الشرياني في الابواب اتقانه مهم جدا .

لهذا تجد تخصص الاعلام حاليا صعب جدا وهناك دورات مركزة استراتيجية خفية عند الدول العظمى في بحث الاعلام فهو فن وبصيرة وهي من الفطنة والكياسة الكبرى فالسؤال هنا انه لماذا العقلاء لم يجعلوا الصدق والكذب في الاستعمال ولا اللفظي ولا التفهيم لاحظ القرآن الكريم لقد كان في قصصهم عبرة يعني ما انزله الله في مريم ويوسف والانبياء هو صحيح والمراد الجدي فيه مريم ويوسف ويعقوب ولكن الله يبين ان لديه مرادا جديا اهم واخطر من هذا المراد الجدي لقد كان في قصصهم عبرة يعني اعبر ولا توقف فهذه ليست الغاية النهائية الى الله وكما يقول الائمة ضرب الله مريم مثلا لفاطمة .

كما في قوله تعالى ﴿لقد كان في يوسف واخوته ايات﴾[5] يعني عبرة فهو نفس المنطق فإذن النبي يوسف ليس غرضا نهائيا ولا اخوته نعم هو مراد جدي وليست قصة رومانسية او دراماتيكية وانما هي دراما وقصة حقيقية لكن ليست هي المراد الجدي النهائي من بداية السورة الى نهاية السورة انما هو قنطرة وانما المراد من يوسف هو صاحب العصر والزمان وكيف يدير الامور? ولولا ادارة الامور لهدمت الارض من عليها وحتى بعض العلماء قال ربما حتى يقع صاحب الزمان في السجن لانه حياته بالخفاء والسرية لكن هو بطل فلم الارض وبطل الدهر .

فاذن ليس المراد هنا يوسف وانما ما وراءه وانتم محل تكليف ووظيفة تجاهه وهم عترة اهل البيت وهذه كلها امثال ضربها الله لاهل البيت بنص سورة يوسف من اولها لاخرها اذن مع انه مراد جدي لكن هذا المراد طبقات .

هنا ملاحظة في علوم التفسير على السيد الطبطبائي والسيد الخوئي والسيد عبدالاعلى السبزواري او المرحوم البلاغي واعظم بهؤلاء واعظم ونحن نقبل تراب ارجلهم ولكن منهجهم غير صحيح حيث هؤلاء يعتبرون ان بنية الظهور في المراد التفهيمي اللغوي والجدي الاول هي الاساس في مفاد التفسير وهذا خطأ فالقرآن يبين ان هذا ليس اساس وانما هذا طريق ، فالاستعمالي لا تكترث به وكذلك اللفظي وكذلك التصوري والتفهيمي وحتى الجدي لا يكترث به كل الاكتراث وانما المهم ما وراءه فلماذا تسموه تأويلا ولماذا تسموه تطبيقا? ودوره ليس الا المصداق فهذا خطأ في منهج التفسير بالعكس هذا هو اللب وهو المدار وهو المقصود وليس ما قبله فهي مجرد مقدمات وسطية .

فهم بنوا تفسيرهم في الميزان وحتى السيد الخوئي في البيان والبلاغي جعلوا المفهوم التصوري هو الاساس في التفسير بخلاف حقائق المصاديق فالحقائق هي المراد مثل تقول زيد فليس المراد صورة زيد وانما زيد الخارجي هو يهمني فما شأني بصورة زيد في الذهن? وانما الخارجي هو المدار فهذا يقلب منهج التفسير رأسا على عقب وهو نفس مراتب ودلالات الكلام .

لاحظ قوله تعالى ﴿فاذ لم ياتوا باربعة شهداء فاولئك عند الله هم الكاذبون﴾[6] يعني في بعض الابواب الباري تعالى يقول ان المدار في الاثبات لا الثبوت او عندما يقول المشهور بان المصلح صادق وان كان صورة كاذب والمفسد كاذب وان رأيته صورة صادق كالنمام لانه في الحقيقة يريد ان ينقلك من الصدق الى الكذب لان الفساد كذب والصلاح حقيقة وواقعية والافساد كذب فهذا النمام يريد ان ينقل العلاقة بين الطرفين التي قائمة اواصر عديدة متينة يريد ان يقطعها لصدق في بقعة محدودة جزئية فالصدق هنا كذب لان النمام كاذب لانه في الحقيقة يروم الى اشعال الفتنة وتقطيع الاواصر فالاواصر موجودة وليست مقطوعة لكن هو بهذا الصدق الفتنوي يريد ان يغش ويخدع ويوهم السامع انه لم تبق اواصر بينك وبين الطرف الاخر فهذا حقيقة كذب .

فبلحاظ الغاية والنهاية دائما المفسد كاذب والمصلح صادق ، مثل الكذب الذي انت تستعمله مجاز والمجاز خلاف الواقع والكناية فيها ابهام وايهام كذلك الاستعارة والمجاز والتمثيل فلماذا لا نكترث بهذا الكذب الصوري? لانه نقول الغاية هو صادق فيها سيما الغاية النهائية اذن الوحي يركز انه انتم العقلاء لا تكترثون ولا تجعلون المدار على التفهيمي ولا الاستعمالي ولا اللفظي وانما المدار على الشيء النهائي وهو ليس المراد الجدي وانما فيما وراء الجد فاذا كان افسادا فهو كذب واذا كان اصلاحا فهو صدق ولا ادري كيف يستوعب هذا البحث الجموديون كما ان العرف العام غير المتخصص لا يفهم معنى الاستعارة وانواع المجاز فهو صورة كذب لكن حقيقة ليس بكذب هكذا الحال في قضية الصدق والكذب ويرتبط ببحث نقل التراث وما شابه ذلك.

 


[1] سوره انفال، آيه 44.
[2] سوره اعراف، آيه 116.
[3] سوره انفال، آيه 60.
[4] سوره نور، آيه 15.
[5] سوره یوسف، آيه 7.
[6] سوره نور، آيه 13.
سال درس: 1404-1405
عنوان درس فایل صوتی فایل متنی
نظام الولایات