الموضوع: نظام الولايات والفتوى والعملية والرضا النفسانية
صحة العقود مع وجود الرضا النفساني
كان الكلام عن عقد الفضولي، ومر أن بحث عقد الفضولي ليس خاصاً بالفضولي بالدقة، بل هو عبارة عن بحث في عدم الولاية التامة على العقود، سواء كان أصل اللاولاية أو الولاية الناقصة، فالبحث عام في أنواع وصور وأقسام عديدة.
في مستهل هذا البحث -كما مر- ذهب الشيخ الأنصاري (رحمة الله عليه) إلى أنه مع وجود الرضا النفساني، وإن لم يوجد الرضا الإنشائي، فالعقود صحيحة؛ هكذا ذهب، ولا أقل ذهب إلى ذلك علمياً.
الفرق بين الفتوى العلمية والفتوى العملية
كثير من الأعلام يجزم علمياً وإن لم يفتِ؛ ولماذا لا يفتي؟ لسبب أو لآخر؛ ربما للتقية، أو لأجل عدم شنعة الاعتراض، وهلم جرا، ولكن هذا لا يعني أنه ليس بجازم علمياً، بل هو جازم ويسلم علمياً بأن النتيجة واقعية.
وهذه نكتة مهمة يجب أن نلتفت إليها؛ فكتب الاستدلال المفصلة عند الأعلام -من الشيخ الطوسي والمفيد والمرتضى وابن إدريس في السرائر والشهيد الأول إلى يومنا هذا- كثير منها كتب علمية وليست كتباً فتوائية، نعم هي مفيدة وفيها أدلة، وقد يصطلح الأعلام على الكتب العلمية والرأي العلمي بأنه “فتوى علمية” وليست “فتوى عملية”؛ بمعنى أنه رأي يجزم به علماً، وإن لم يفتِ به عملاً لعمل عموم المؤمنين.
وعلى سبيل المثال: السيد تقي القمي (رحمة الله عليه) ينقل عن أستاذه السيد الخوئي أنه يقول: “أنا أفتي بعدم لزوم الترتيب في الغسل بين القسم الأيمن والأيسر، وبدون ترتيب يجوز، لكن في حياتي قط ما ارتكبت هذا الشيء، بل دائماً أراعي الأيمن ثم الأيسر”. فأحياناً تكون الفتوى عملية للآخرين وهو نفسه لا يأتي بها.
مثال آخر: السيد العلامة الفاني (رحمة الله عليه) يقول: “لما بنيت على أن الغسل مطلقاً مجزٍ -حتى غسل غير الجنابة- سألني أحد الأطراف العلمية في النجف في مجادلة علمية: هل صليت قط بغسل بدون وضوء؟ فقلت له: نعم، اليوم صليت بغسل بدون وضوء”.
فالمقصود أن الفقهاء لديهم تارة فتوى علمية يجزمون بها علماً وإن لم يتحملوا مسؤوليتها إفتاءً لعمل عموم المؤمنين، وتارة لديهم فتوى عملية. نعم، الاستحباب شيء واللازم شيء آخر، فمستحب أن يقدم الإنسان الوضوء قبل أي غسل إلا غسل الجنابة.
صاحب الجواهر – الشهادة الثالثة جزء واجب في تشهد الصلاة
صاحب الجواهر عندما يقول: “الشهادة الثالثة جزء التشهد”، يستند إلى أدلة عامة غير مختصة بالأذان، بل تعم كل تشهد في كل موطن، حتى داخل الصلاة. ويخاطب نفسه: يا صاحب الجواهر تستند إلى ماذا؟ يقول: أستند للأدلة العامة بوجه صناعي لا غبار عليه، وأجزم بأن الشهادة الثالثة جزء واجب في التشهد، إنما لا أفتي عملاً لئلا نشذ عن المشهور.
هو ظنه أن المشهور ليس هكذا، والحال أننا أثبتنا -بحمد الله- في مجلدات الشهادة الثالثة العكس، فالمشروعية هي المشهور لا العكس.
فتوى الاعلام في وجوب الشهادة الثالثة
بل هناك قريب سبعة عشر من الأعلام -إلى حد ما وقفنا عليه الآن وربما نكتشف أكثر- يفتون بالوجوب؛ نعم بالوجوب في الشهادة الثالثة، من الأولين والآخرين، وليس فقط من المتأخرين، وهذا حسب تتبعنا الناقص.
فالشيخ المفيد في المقنعة يفتي بشكل، وفي كتاب المزار يفتي بشكل آخر، والمزار بالتالي أحد فتاواه. وما أكثر ذلك عند الأعلام؛ كالعلامة الحلي يفتي في مورد بشكل وفي كتاب المنتهى بشكل آخر. فما وقفنا عليه بالصفحة والمجلد وبالضرس القاطع -تصريحاً أو مقتضى كلامهم- أن سبعة عشر من الأعلام يفتون بالجزئية الواجبة، ومنهم بحر العلوم أيضاً (رحمة الله عليه) في أرجوزته.
الحلي: وجوب ذكر الائمة (ع) في تشهد الصلاة وصحيحتا الحلبي
العلامة الحلي (رحمة الله عليه) في “منتهى المطلب” يقول عن صحيحتي الحلبي -حيث سُئل الإمام: هل أسمي الأئمة في الصلاة؟ (وليس خارج الصلاة، بل “جوة جوة”)، قال: سمهم-، يقول العلامة: “الأمر مقتضاه الوجوب”، وليس عندنا دليل على الترخيص.
فإن قيل: روايات التشهد في الصلاة متعددة؟ نقول: متعددة لكنها لا تدل على الترخيص، وهو أمر ديني مرتبط بالإقرار والاعتقادات، فالشهادة الثالثة بضرورة المذهب هي من العقائد، فهل أنا ملزم بها؟ قال: نعم، “سمهم”، فأنت ملزم، وهذا تأكيد للوجوب واللزوم.
النراقي في المستند وجوب ذكر الائمة (ع) في تشهد الصلاة
نفس المطلب الذي نقلناه عن “المنتهى” للعلامة الحلي في بحث التشهد، يقرره ويعترف به النراقي في “المستند”. فيقرر كبروياً أن واجب علينا ذكر الأئمة في الصلاة، فأصل ذكر الأئمة في تشهد الصلاة مفروغ عنه، غاية الأمر أنه يكتفي بالصلاة على النبي والآل ويعتبرها شهادة ثالثة، وهذا بحث آخر، لكن أصل الوجوب يعترف به.
فيا جماعة الخير، هذه مواد علمية يجب التركيز فيها، وليست “لعب ألعاب”، هذه حقائق ومواد، وكما يقول صاحب الجواهر والسيد الگلپايگاني والسيد البروجردي وكاشف الغطاء: “كلمات العلماء أدلة دسمة وفقه غزير يجب التدبر والتثبت فيه”.
الجواهر: وجوب الشهادة الثالثة في تشهد الصلاة
صاحب الجواهر في كتاب الصلاة في بحث الأذان وتشهد الأذان يقول: لا نحتاج للأدلة الخاصة، بل تكفينا الأدلة العامة. وينبه من يقول بأن تعبدية العبادات تحتاج حصرياً للأدلة الخاصة، فيقول له: يا عيني توقيفية العبادة ليس معناها دليل خاص، فالدليل العام أيضاً دليل من الشرع، وليس “بليلاً”.
فصاحب الجواهر في باب الأذان لديه فتوى علمية، أما في باب “التسليم” فقد أفتى عملياً بوجوب الشهادة الثالثة في تشهد الصلاة وجوباً تخييرياً؛ بمعنى الوجوب لا الاستحباب، فلك أن تتشهد بالشهادتين، ولك أن تتشهد بالشهادة الثالثة، لكن بعنوان الوجوب.
فتوى الحلي وجوب الشهادة الثالثة في تشهد الصلاة
العلامة الحلي في “المنتهى” يقول: لو كنا نحن وصحيحتي الحلبي لدلتا على وجوب ذكر الأئمة بوصف الأئمة (أي الشهادة الثالثة) في الصلاة. غاية الأمر أن العلامة الحلي -كفتوى عملية- يقول: نكتفي في هذا الواجب بالصلاة على النبي والآل. وإلا هو نفسه يقول بأن الدليل مستقل ودال على لزوم ذكر الأئمة.
وهذه فتوى علمية في الكبرى، وهي ذات فوائد علمية في مقابل من يقول بأنها خلاف الضرورة أو بدعة أو مبطلة للصلاة، فيا مبطل للصلاة “إيش حكي هذا”؟ تعال وانظر كلام العلامة الحلي والميرزا النراقي.
ولنذكر نظائر للفرق بين الفتوى العلمية والعملية والاكتفاء بالواجب:
السيد الخوئي (رحمة الله عليه) يفتي بأنه إذا نسيت التشهد يجب عليك قضاؤه، لكنه يقول من جانب آخر: تستطيع أن تأتي بسجدتي السهو قضاءً عن التشهد وأداءً لسجدتي السهو (عصفورين بحجر)؛ لأن سجدتي السهو متضمنة للتشهد، وهذا من باب التداخل في الامتثال.
كذلك يفتي السيد الخوئي في صلاة الغفيلة، بأنه لك أن تكتفي وتدمج صلاة الغفيلة في نافلتي المغرب، فتأتي بست ركعات: اثنتان للغفيلة وأربع لنافلة المغرب وتدكدكهما، ولا يحظر عليك الإتيان بالغفيلة مفككة.
فكذلك العلامة الحلي يقول كبروياً بالوجوب، لكنه يقول “أكتفي” ولا يقول “أحصر”، فيجوز لك أن تكتفي في واجب الشهادة الثالثة بالصلاة على النبي والآل، أو أن تأتي بالشهادة الثالثة، وهذا مقتضى كلامه وكلام النراقي، فالاكتفاء عملياً لا يعني أنه لا يسوغ لك أن تأتي بالشهادة الثالثة.
الانصاري – التراضي الانشائي أمارة عقلائية لإحراز الرضا النفساني
نعود للشيخ الأنصاري، حيث يقول بالنسبة إلى الرضا النفسي كفتوى علمية (ويبت بها تقريباً وإن لم يفتِ بها عملياً): إن العقود صحيحة بوجود الرضا النفساني.
وأدلة الشيخ الأنصاري تستند إلى قاعدة في باب الظهورات ذكرناها سابقاً وهي جداً مهمة: “أن العناوين الواردة في الأدلة الشرعية -حتى العبادية أو التوقيفية- الأصل فيها الوجود التكويني اللغوي لا الحقيقة الشرعية”.
فالحقيقة الشرعية تحتاج إلى دليل ومؤونة، بل الوجود الإنشائي يحتاج إلى دليل؛ فما دام الوجود التكويني موجوداً لا تصل النوبة للوجود الإنشائي، ودائماً الوجود الإنشائي يكون مع تعذر الوجود التكويني أو تعذر ضبطه وإحرازه، فيتوسل العقلاء حينئذ بالوجود الإنشائي.
هذه القاعدة أسسها الأصوليون في مقدمات علم الأصول، وبناءً عليها يقول الشيخ الأنصاري في قوله تعالى ((﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض﴾[1] )): التراضي هو التكويني، والحاجة للتراضي الإنشائي تحتاج لدليل، فالأدلة التي دلت على اشتراط الرضا لا تخرج عن التراضي التكويني.
غاية الأمر، في موارد لا نستطيع إحراز التراضي التكويني تصل النوبة للتراضي الإنشائي، فكأنما فلسفة الشيخ الأنصاري أن التراضي الإنشائي هو “آلية” و”أمارة عقلائية” لإحراز الرضا النفساني.
وشبيه بذلك “القطع الطريقي”، حيث يؤخذ القطع في الموضوع ولكن فلسفة أخذه هي الاستطراق، فهنا الرضا الإنشائي مبرز وأمارة على الرضا التكويني الذي هو الأصل.
اختلاف الرضا الانشائي عن طيب النفس
وهنا يجب أن نلتفت لمطلب، وهو أن الرضا الإنشائي يختلف عن طيب النفس؛ فالرضا الإنشائي تصدي -سواء نفساني أو غيره- وهو إرادة. أما طيب النفس فهو أن لا يكون عندك نفرة أو انزجار أو كراهة، وتأنس نفسك بالفعل. فإرادة الفعل تسمى “رضا”، وهناك فرق بين الرضا النفساني وطيب النفس.
رواية عروة البارقي وعقد الفضولي
الدليل الآخر (أو المؤيد) لدى الشيخ الأنصاري هو ما سيأتي من رواية “عروة البارقي”، وهي رواية استدل بها الأعلام لتصحيح العقد الفضولي، وهي وإن كانت من طرق العامة لكن اعتمدها الأعلام، وهي ملحمة وفيها نكات لطيفة وتطابق طوائف من رواياتنا.
أصل القصة: أن النبي (صلى الله عليه وآله) أمر عروة أن يذهب ويشتري له شاة بدينار، وكان عروة “شاطر” (أو “زرنگ” كما يقولون)، فبدل أن يشتري شاة واحدة اشترى شاتين بدينار، ثم قام وباع إحدى الشاتين بدينار، فرجع للنبي بالدينار وبالشاة. فقال له النبي: “بارك الله في صفقة يمينك[2] “.
وهنا يقع الكلام: عروة اشترى شاتين والنبي قال له شاة (وهذا فضولي في الشاة الثانية)، ثم باع الشاة الثانية دون أن يستأذن وقبض الثمن. فلو كان البيع الأول فضولياً ولم يتم بعد، فكيف يتصرف في أموال الناس؟ ولو لم يكن البيع صحيحاً لكان الحري بالنبي أن يلومه على التصرف في مال الغير.
الشيخ الأنصاري سيذكر لاحقاً أربع احتمالات لتوجيه هذه الرواية، وسنرى ربطها بمدعى الشيخ بأن الرضا النفساني يغني عن الرضا الإنشائي.